|
انتهيت
لتوي من قراءة كتاب صادر عن مؤسسة الدراسات
الفلسطينية عن اللد والمجزرة الرهيبة التي حدثت في
المدينة في 12 و13 تموز 1948. مؤلف الكتاب اسبر
المنير شاهد عيان، يروي تجربته الشخصية في تلك
الأيام، ويأخذنا الي الأسي العميق الذي صنع
التجربة الفلسطينية المرة. دير ياسين ليست
الحكاية، فالمجازر التي عمت فلسطين كان بعضها اكثر
وحشية وهمجية من تلك المجزرة. لكننا ننسي، واذا
تذكرنا فاننا لا نعي معني الذاكرة.
انتهيت من قراءة الكتاب وانا
اشاهد ما يجري اليوم في غزة، وتساءلت هل يعلم
الذين يقودون البلاد الفلسطينية الي هاوية الحرب
الاهلية ماذا يفعلون؟ هل يملكون ذاكرة النكبة؟ وهل
تسمح هذه الذاكرة للفلسطينيين بهذا الجنون الذي لا
اسم له سوي الانتحار؟
نستطيع تحليل الاسباب واكتشاف
الآليات التي تقود الي هذا الحمق الذي لا قعر له،
لكن كل تحليل باطل اذا لم يستند الي موقف اخلاقي
ينطلق من تحريم الحرب الأهلية، ومن جعل الدم
الفلسطيني حدا لا يمكن تجاوزه.
مرت تجربة المقاومة
الفلسطينــــية في الاردن ولبنان بمراحل اكثر
صعوبة، غير ان العصب الوطني الذي تألف من فتح
والجبهتين الشعبية والديموقراطــــية كان يشكل
عائـــقا سياسيا واخلاقيا امام اللجوء الي منطق حل
الخلافات بالقوة. كانت الانظمـــة العربية تسعي
الي اشعال الصدامات الفلسطينية الداخلية، لكنها
كانت تصطدم بجدار لا يمكن اختراقه.
هذا لا يعني ان تلك المرحلة
كانت خالية من الاخطاء، بل يعني ان الارادة
الوطنية الفلسطينية منعت تحويل الاخطاء خطيئة
قاتلة، واستطاعت تضميد جراحات الخلافات بالوحدة
الوطنية، لأن شعبا محروما من الوجود لا يحق له ان
يلجأ الي تصفية نفسه بنفسه.
وبعد تأسيس السلطة، ورغم كل
اخطائها، كان وعي القيادة، والموقف الذي صاغه
عرفات يقول بأن اي صدام مع قوات الاحتلال
الاسرائيلية هو اقل كلفة من الحرب الأهلية. كان
الضغط الامريكي علي القيادة الفلسطينية كبيرا من
اجل ان تقوم بتصفية حماس، غير ان صمودها ورفضها
للتنازلات المجانية ولمنطق الحرب الأهلية، جعلاها
تدفع الثمن الكبير في المقاطعة.
ماذا يجري الآن ولماذا؟
هل تعتقد حماس ان احتفاظها
بسلطة لا سلطة لها، تستحق حربا اهلية؟
وهل تعتقد فتح ان استعادة
الحكومة سوف تحل مشكلات الشعب الفلسطيني، لذا فان
اللجوء الي الحسم العسكري مبرر؟
ان قراءة للخلاف البرنامجي بين
الحركتين يقــود الي استنتاج اننا نتقاتل علي سمك
في البحر، كما يقولون، اي علي الوهم.
لا تسوية في الأفق، لأن
اسرائيل لا توافق علي الحد الوطني الأدني الذي
وضعته منظمة التحرير الفلسطينية، اذا فكل هذا
الكلام الايديولوجي حول رفض الاعتراف باسرائيل
الذي تصر عليه حماس لا معني له، او ان اوانه لم
يأتِ بعد، وكل هذه الكلامولوجيا الوطنية لا هدف
لها سوي تغطية صراع علي سلطة وهمية.
فالذي يرفض ثوابت المنظمة
واتفاق اوسلو، عليه ان لا يتسلم سلطة تحت
الاحتلال، واذا قرر تسلم السلطة عليه ان يقلب
المعادلة وموازين القوي في شكل فعلي، وهذا ما لم
تقم به حماس، بل انها تكرر مسار فتح في شكل مقلوب،
ما يجعلها اسيرة منطق فقد منطقه.
وفي المقابل فان فتح تعلم ان
افق التسوية مسدود، وان ازمة القيادة في اسرائيل
والولايات المتحدة تمنعهما من الوصول الي
الاستنتاج العقلاني بأن حل مشكلة فلسطين هو مفتاح
حل مشكلات المنطقة، وان هذا الحل لا يكون من دون
انسحاب كامل من الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام
1967، بما فيها القدس.
مواجهة افق مسدود لا تكون
بصيحات الحرب الأهلية، بل ببلورة برنامج وطني يفرض
نفسه علي الجميع، ويفرض علي القوي الاسلامية
الاندراج في منطقه، ولو في شكل مرحلي. اي بدلا من
التحريض واستثارة العصبية التنظيمية، فان علي فتح
ان تنطلق من وثيقة الأسري كي تخلق مناخ اجماع وطني
من حول الاهداف تمهيدا لطرح الاسئلة الصعبة حول
وسائل تحقيقها.
غير ان ما نشهده علي ارض
الواقع لا يبشر، بل يدفع الي الأسي واليأس.
لماذا مناخ القتال والدم اذا؟
هل نحن امام واقع يصنعه امراء
حرب لم يعد في امكان احد ضبطهم؟ ام نحن امام
انهيار اجتماعي بلا أفق ولا حدود؟
لا هذا ولا ذاك، هكذا يجب ان
يكون الجواب لأننا نتكلم عن فلسطين.
وفلسطين ليست مقدسة الا لأن
دماء الوف الشهداء جعلتها عصية علي الموت، ولأنها
صنعت من ركامها التراجــــيدي حكاية.
فلسطين هي ايضا غسان كنفاني
واميل حبيبي وجبرا ابراهيم جبرا، فلسطين هي ادوارد
سعيد ومحمود درويش، فلسطين هي الحكاية التي ربتنا
علي التضحية، وعلمتنا الكرامة، وصنعت من مناضيلها
شعبا لا يموت.
هذه الفلسطين تقول لكم، تقول
لأهل غزة ودير البلح ونابلس وجنين وطولكرم ورام
الله، ان امنعوا هذا الوحش من افــتراسها.
الحرب الأهلية ليست خيارا،
والصراع علي السلطة ليس مخرجا من ازمة العمل
الوطني، المخرج يبدأ بعقلانية نضالية تعيد رسم افق
انتفاضة الاقصي بأساليب جديدة |