|
![]()
|
|
 |
|
|
التهديدات
الأمريكية ضد كوبا : أطماع تاريخية وأخطار حقيقية |
|

كوبا قلعة صمود وتحدّي
منذ بداية تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية في
نهايات القرن الثامن عشر، لم ترفع الإدارات
الرئاسية المتعاقبة ناظريها عن جزيرة كوبا، التي
كانت مستعمرة إسبانية في ذلك الحين. وظهرت أفكار
ومبادرات ومحاولات لضم كوبا إلى الاتحاد الأمريكي
وحتى شراءها بالمال من إسبانيا،وانطلقت نظريات
"الفاكهة الناضجة" و"القدرية الجغرافية" وعقيدة
مونرو...الخ لتحقيق تلك الغاية، إلا أنها لم تتكلل
بالنجاح.
بدأ مخاض تشكيل الأمة الكوبية في النصف الثاني من
القرن التاسع عشر، مع بزوغ يوم العصيان الوطني في
10-10-1868 عندما أعلن "أبو الوطن" كارلوس مانويل
دي سيسبيديس، إلغاء العبودية، وحرر عبيده ودعاهم
إلى الانضمام إليه، في القتال ضد الاستعمار، من
اجل حرية واستقلال كوبا. واندلعت حرب السنين
العشرة، التي لم تسفر عن الاستقلال، لكنها حددت
المسار التالي لحركة تاريخ تلك الأمة وخيارها. و
في حين جنح طرف من حركة التحرر الوطني
الكوبية(البرجوازية والإقطاعيين) إلى المهادنة
والاستسلام عمليا، أمام العدو المحتل والمستوطن،
في صفقة تعطي حصة الأسد للإسبانيين، تنص على
السلام (وقف العمليات القتالية) دون تحقيق
الاستقلال، والاستمرار في الوضع السابق لانتفاضة
السنوات العشرة؛ رفض الطرف الآخر بقيادة الجنرال
انطونيو ماسيو غراخاليس، تلك المساومة الاستسلامية
المعروفة تاريخيا باسم" اتفاقية الزانخون"، وردّ
عليها وأمام عدوه وجها لوجهة تحت لفيف من أشجار
المانغا، في إحدى براري البلاد، بما يسمى تاريخيا
أيضا باسم "احتجاج باراغوآه"، مصمما على مواصلة
الحرب التحررية حتى نهايتها.
وفي منتصف العقد الأخير من القرن التاسع عشر،
اندلعت الثورة مجددا تحت قيادة البطل القومي
الكوبي خوسيه مارتي، المفكر والمنظر الثوري الذي
لم يبخل على وطنه بدمه في معمعان المعارك(على
الرغم من افتقاره للخبرة العسكرية القتالية) في
19-05-1895، والجنرال ماسيو الذي لم يغمد سيفه
أبدا في مواجهة الاستعمار والظلم، والجنرال الاممي
ماكسيمو غوميس( من سانتو دومينغو/ الدومينكان
حاليا) الذي وضع ابنه فرانسيسكو، مساعدا للجنرال
ماسيو، اخيه ورفيق دربه الكفاحي على امتداد ثلاثين
عاما. وشاءت الأقدار أن يسقط ماسيو على ارض
المعركة وسقط إلى جانبه مساعده"بانشيتو" [ اسم
التحبّب لفرانسيسكو] عندما كان يحاول إنقاذ جثته.
واليوم يركدان سويا على ارض الوطن المحرر
والمستقل، وطن ذو سيادة وكرامة وثورة متجددة، على
الرغم من نائبات الدهر وتقلب الأزمنة، ومؤامرات
ودسائس الرجعيين والعملاء والخونة.
عندما كانت قوات جيش التحرير الوطني الكوبي تسيطر
عمليا على البلاد، من شرقها إلى غربها، في ظل
انحدار واندحار الإمبراطورية الإسبانية، اختلقت
الإمبراطورية الأمريكية الناشئة، ذريعة قذرة لكي
تتدخل عسكريا في كوبا. فقد دبرت عملية تفجير
متعمدة لسفينة حربية أمريكية راسية في ميناء
هافانا،[ سفينة MAINE، ليلة15فبراير 1898] وأعلنت
يوم 21 أبريل 1898 الحرب مباشرة على إسبانيا،
المهزومة عمليا أمام الجيش الكوبي، في تطبيق خلاق
لنظريتها الشهيرة "الفاكهة الناضجة"، أي أن كوبا
كانت كالثمرة الناضجة تماما، لكي تسقط في براثن
أمريكا، تماما كما سقطت تفاحة نيوتون بفعل قانون
الجاذبية الارضية. وتدخلت القوات الأمريكية مباشرة
وانتهت الحرب باستسلام إسبانيا يوم 12 أغسطس 1898،
وتمّ التوقيع على معاهدة باريس في 10ديسمبر
1898،التي تنص على وقف الحرب(استسلام إسبانيا)
وتنازلها عن آخر ممتلكاتها الاستعمارية في كوبا
وبورتوريكو وجزر غوام والفليبين.
وحرصت أمريكا على استبعاد وتهميش الوطنيين
الكوبيين وجردت جيشهم من سلاحه ومنعتهم من دخول
سانتياغو دي كوبا كقوة منتصرة. واستمر الاحتلال
العسكري الأمريكي لكوبا أربعة أعوام، في ظل حاكم
عسكري أمريكي، وحاولت الإدارة العسكرية، شراء ذمم
من تبقى من قادة حرب التحرير بالمال والجاه، لكنهم
رفضوا وآثروا الجوع والحرمان، على حياة الذل
والهوان. واعلنت أمريكا أخيرا في 20-05-1902،
ميلاد جمهورية كوبية، بقيادة تستجيب لمصالحها، و
دستور يعطيها حق التدخل العسكري المطلق، متى رأت
ضرورة لذلك، وتستحوذ بموجبه أيضا على خليج
غوانتنمو، بصفة استئجار إلى اجل غير مسمى، مما أسس
لوجود القاعدة البحرية الأمريكية في غوانتنمو، منذ
ذلك الحين والى أيامنا هذه، والتي أخذت شهرتها
مؤخرا على اثر تحويلها إلى معسكر اعتقال نازي
وفاشي جديد، للذين اختطفتهم القوات الأمريكية
الغازية في أفغانستان، في إطار حربها الإرهابية،
التي تفتقر إلى أية شرعية أو أخلاقية، ضد من
تسميهم هي لا غيرها بالإرهابيين، مستفيدة من عالم
القطبية الوحيدة العابرة وتفوقها التكنولوجي
العسكري، وسيادة المصالح المادية الشخصية والفئوية
والقومية، على كل المفاهيم والمبادئ والأعراف
الدولية والإنسانية. فكيف تحارب الإمبراطورية
الإرهاب باستعمال الإرهاب؟ انه نفاق ورياء، وحريّ
بها أن تسمع قول الشاعر "لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إن فعلت عظيم".
لغاية الأول من يناير 1959 تعاقبت على كوبا حكومات
دكتاتورية دموية، وحكومات دمية تعينها واشنطن، وإن
تخللتها ثورة شعبية أطاحت بدكتاتورية ماشادو عام
1933 لكنها أجهضت وأغرقت في دماء أبنائها، وتحولت
كوبا إلى ملكية خاصة للأمريكيين بالتحديد،
ولعملائهم ووسطائهم داخل البلاد.
لقد حاولت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إجهاض
انتصار الثورة الكوبية، من خلال الدعم الكامل لجيش
دكتاتورية باتيستا، ومحاولة القيام بانقلاب على
الدكتاتور عشية الانتصار الثوري، من خلال زمرة من
نفس النظام، ولدى فشلها، ناصبت أمريكا الثورة
العداء الدفين والحقد الضغين . وراحت تحيك
المؤامرات وتفرض الحصارات . تارة بمحاولات اغتيال
القادة، وتارة بمحاولة انقلاب، وتارة بالغزو
العسكري، الذي فشل فشلا ذريعا في أبريل 1961 قبل
أن يدوم 72 ساعة(خليج الخنازير)، وتارة بالتهديد
بالغزو العسكري الأمريكي المباشر،وتارة بالتهديد
النووي(أزمة أكتوبر1962) ولم تتورع الإمبراطورية
عن شن حرب بيولوجية بحق البشر والحيوان والشجر،
وحرب اقتصادية وتجارية ومالية، وحرب إعلامية
ودعائية( تلفزيونية وإذاعية) وحرب نفسية، لم تدخر
نمطا ما، مما تفتقت عنه عقلية استخباراتها إلا
وجرّبته، وتحولت كوبا وحكومتها وثورتها وشعبها إلى
مختبر تجارب سياسية وعسكرية ...الخ وباءت كلها
بالفشل حتى هذه اللحظة، واعتقد أنها لن تحقق
مآربها مهما كان الثمن.
هنا وُلد وطن من رحم مستعمرة، بدماء وتضحيات أجيال
تلو الأجيال، وذاقت مرارة معسكرات الاعتقال (في
النصف الثاني من تسعينات القرن التاسع عشر،على يد
الحاكم العسكري الإسباني فاليريانو وييلر، التي
راح ضحيتها 300 ألف مواطن، خلال عامين)، وعجرفة
واستكبار قوات الاحتلال، ودموية الأنظمة
الدكتاتورية على امتداد نصف قرن من الزمان.
هنا وُلدت ثورة وطنية وديموقراطية وشعبية حقيقية،
لم تأت على ظهور دبابات روسية ولا أمريكية، انبثقت
من الشعب وبالشعب وفي سبيل الشعب.
هنا تعملقت ثورة اشتراكية(1961) وأممية، لا ثروة
لها إلا مبادئها ومُثٌلها وعرق ودماء أبنائها،
تجود بالموجود، طمعا في الإنسانية لا في النقود.
ضحّى جنودها في سبيل العالم الثالث بأرواحهم،
ويضحّي أطباؤها وتقنيّوها في أدغال إفريقيا وآسيا
وأمريكا اللاتينية، من اجل إنقاذ حياة الملايين من
البشر المنسيين، في عالم التكنولوجيا والفضاء
وليبرالية الاقتصاد وطغيان المال وفساد الأخلاق
وفاشية الأمريكان.
هنا قيادة أصيلة، مبدئية ذات أخلاق فاضلة، صادقة
مع نفسها ومع شعبها ومع غيرها، تفعل ما تقول ولا
تقول مالا تفعل، إن قالت صدقت وان وعدت وفت وان
ائتمنت أخلصت، على علاقة مباشرة ومستمرة بشعبها،
تناضل معه ومن اجله،ومن اجل البشرية جمعاء. قيادة
تتصدر الصف الأول في معارك الشعب والوطن: ضد
الدكتاتورية القديمة والجديدة، ضد الغزو الأجنبي،
ضد إعصار استوائي عرضي، ضد وباء مرضي، ضد الظلم
والتعسف وإن طال صبيّ، وفي معركة الكلمة والفكر
المهتدي. وهنا تتجسد تماما مقولة الفيلسوف
الإغريقي الشهير ارسطوطاليس " شكل الحكومة لا يبني
السعادة لأمة ما، بل فضائل قادتها وقضاتها".
هنا وحدة وطنية صلبة وراسخة وعن وعي، تلتف حول
الحزب الواحد، نعم حزب شيوعي يضم في صفوفه
المخلصين والمناضلين والثوريين من أبناء الشعب،
بغض النظر عن العرق واللون والجنس والوضع
الاجتماعي وحتى المعتقد الديني!! فهو حزب الأمة
الكوبية، حزب وحدة التعددية!! لا امتيازات ولا
هبات ولا عطاءات، فقط تضحيات!!
هنا شعب متمرس سياسيا وعسكريا، متماسك البنى ،
تضامني الهوى، متلاحم مع قواته المسلحة، في
الإنتاج وفي الدفاع، في السراء والضراء، هنا لا
يوجد انتظار لأوامر بالقتال، ضد أي غزو أو عدوان،
الأوامر أعطيت من زمان، وفي هكذا حال، "حرب الشعب
كلّه" هي العنوان، والهزيمة تصبح ضربا من المحال.
هنا "بيعة باراغوآه"[19فبراير2000]، تنادي بحق
الشعب في السلام واحترام السيادة والمصالح الوطنية
المقدسة؛ تؤكد على أن 40 عاما من الافتراءات، لم
تتمكن من ثني عزيمته وإرادته في الكفاح؛ وتنادي
بأعلى صوت، صوت شعب عن بكرة أبيه: هنا لن يستسلم
أحد! وأن الكلل في هذا الكفاح، يعني بالنسبة لأي
وطني وثوري كوبي، عارا أكبر من الاستسلام!
هنا الحق وعدالة القضية وأصالة الهوية، كوبا لا
تعتدي على أحد، كوبا لا تخاف من أحد،كوبا لا تشكل
خطرا على الأمن القومي الأمريكي، وبهذا يعترف
جنرالات البنتاغون وخبراء الأمن والاستخبارات،
كوبا لا تستعدي الشعب الأمريكي، كوبا تعادي سياسة
الإدارات المتعاقبة، وتحظى بتفهم وصداقة وتضامن
قطاعات متنامية في أوساط الشعب الأمريكي،وحتى داخل
الكونغرس، والتي أخذت ترفع صوتها مطالبة بإنهاء
الحصار وتطبيع العلاقات الثنائية.
الدفاع عن الوطن حق مشروع وواجب مقدس، الدفاع عن
الشرف والكرامة تباركه الأرض والسماء.
كوبا لا تريد الحرب لكنها مستعدة لها، إن درء
الحرب يوازي كسبها، وهذا هو المبدأ المتبع على
امتداد 45 عاما من عمر الثورة. كوبا أعدت وتعدّ
لعدوّها ما أوتيت من قوة ومن رباط الخيل (يا
مسلمين)، ولا تركن إلى حسن نواياه وشتى الحيل،
وتجنح إلى السلام متى جنح الخصم، وتلتزم بتعهداتها
الإقليمية والدولية، وتحظى باحترام وتعاون هيئة
الأمم، وتجاهد ضد العيوب والنواقص والثغرات داخل
حدودها، وتحقق الإنجازات العلمية والتعليمية
والطبية والصحية والثقافية والرياضية والتكنولوجية
والاجتماعية وتضعها في خدمة الإنسان، من أيّ قوم
كان بمن فيهم مواطنين أمريكان؟
في بداية عهد ريغن الرئاسي الأول، حصلت أزمة
عسكرية حقيقية بين البلدين، وضربت أمريكا نوعا من
الحصار العسكري البحري على كوبا، وأعلنت عزمها على
إجراء مناورات حربية في قاعدة غوانتنمو والكاريبي.
كانت التمرينات ترمي إلى تدريب القوات الأمريكية
على كيفية الإنزال البحري والجوي في جزيرة تشبه
كوبا"بالصدفة"، واحتلالها والسيطرة عليها، فأعلنت
القيادة الكوبية فورا، عن عزمها وفي نفس الفترة
على القيام بمناورات عسكرية للجيش الكوبي الشرقي،
وفي المنطقة المحيطة بالقاعدة المحتلة بشكل غير
قانوني، لتدريب القوات الكوبية على كيفية التصدي
لقوات إنزال أجنبية في أراضي الجزيرة، ومحاصرتها
وإبادتها. وعاشت المنطقة توترا شديدا لبضعة أيام،
وفرجت الأزمة عندما أعلنت أمريكا، إلغاء تلك
المناورات وقابلت كوبا ذلك الموقف بمثله. وتجدر
الإشارة إلى أن الاتحاد السوفييتي، الحليف لكوبا
في ذلك الحين، كان قد ابلغ كوبا سرّا وفي ظل
الأزمة، بأنه لا يستطيع أن يفعل لكوبا أي شيء في
حال وقوع غزو أمريكي لأراضيها؟ وبقي الأمر طي
الكتمان إلى أن أفشاه وزير القوات المسلحة الكوبية
جنرال الجيش راؤول كاسترو عام 1991 في مقابلة
صحفية؟ ومنذ ذلك الحين (1980) اعتمدت القيادة
الكوبية "عقيدة حرب كلّ الشعب"، استكمالا لخططها
الدفاعية الذاتية كليّا عن ارض الوطن.
بين الفينة والأخرى تطلق الإدارات الأمريكية
المتوالية على البيت الأبيض، اتهامات وتهديدات شتى
لكوبا، في محاولة لزعزعة النظام السياسي القائم
فيها، وتخويف قيادتها وشعبها،والحصول على تنازلات
مجانية والقيام بإجراءات تفريطية، تنتقص من سيادة
واستقلال وكرامة البلاد. وفي هذا يقول الرئيس
فيديل كاسترو، أن الشعب الكوبي فقد الخوف منذ أمد
بعيد، وانه لم يفقد أي مواطن كوبي النعاس بسبب
التهديدات، حتى عندما كانت البلاد على شفا جهنم
نووي عام 1962.
قد يقول قائل ما هذه المزايدة والغرور بالذات
والاستهتار برأس الإمبريالية وجبروتها
وتفوقها...الخ.
أقول لا شيء من هذا القبيل. ببساطة الثورة
الكوبية، قيادة وشعبا وقوات مسلحة، حسمت خيارها
منذ بدايات وصول الثورة إلى السلطة، وشعارها
التاريخي" الوطن أو الموت، سننتصر". القضية إرادة
واستعداد وصمود والباقي على الله.
لقد اتهمت الولايات المتحد كوبا بكل ما خطر على
بالها: رعاية الإرهاب الدولي، محاولة تصنيع أسلحة
الدمار الشامل( بيولوجية وكيماوية)، انتهاكات حقوق
الإنسان، خطر على الأمن القومي...الخ وفي كل مرة
تقريبا كانت تلك الاتهامات تلقى التفنيد من قبل
أجهزة أو شخصيات أمريكية، من البنتاغون إلى كارتر.
أما الآن وفي ظل الإدارة الفاشية الجديدة، التي
يتزعمها هتلر زمانه، وحملته العالمية لمكافحة
الإرهاب، التي ستطال على حدّ قوله "اكثر من ستين
ركن مظلم في العالم" وتحديده لمحاور الشر والبلدان
المارقة والبلدان التي ترعى و/أو تمارس الإرهاب،
والدكتاتوريات التي تنتهك حقوق الإنسان في
بلدانها، والشعوب التي تريد الإنعتاق على يد
القوات الأمريكية والحليفة لها أو المتواطئة معها،
والأنظمة التي تهدد الحضارة الغربية والبشرية على
حدّ سواء، تطل الأفعى برأسها من جديد في الكاريبي،
لتكيل الاتهامات والتهديدات الباطلة والتافهة،
والتي لا يصل صداها إلى أبعد من أذني ناطقها. فهنا
لا تهتز رُكَب أحد من هذه الهرطقات ولا تزيدنا إلا
ثباتا وصمودا، وقوة معتقد وحق ومعنويات، وإيمانا
بأننا على الصواب والحقّ سائرون.
وبغض النظر عن المغزى الانتخابي لمثل هذه التبجحات
والتهديدات،والالتزامات والعهود التي قطعتها على
نفسها إدارة فاشية في إسطبل المافيا في جنوب
فلوريدا، والتي ارتكبت وترتكب شتى الحماقات، من
سرقة الانتخابات الرئاسية، والانقلاب على الدستور
ومصادرته، إلى نسف البرجين التوأمين، إلى
البنتاغون إلى أفغانستان إلى العراق إلى بن لادن
إلى صدام، إلى الزرقاوي وغدا الفلاني والعلاّني...
فإنه لا يجب النظر إليها بمعزل عن:
أولا:أيديولوجية وممارسة الطغمة الفاشية الجديدة
في البيت الأبيض الحاكمة باسم اله رأس المال
المالي العابر للقارات والعقول والنفوس الوضيعة؛
ثانيا: السياق الدولي الحالي في ظل عالم وحيد
القطبية، على الرغم من نسبية هذا المفهوم وطابعه
المؤقت؛ ثالثا: الأطماع الاستعمارية التاريخية
الأمريكية في كوبا و التزاوج المخزي بين الإدارة
الأمريكية والمافيا الفاشية الكوبية في ميامي،
التي ترتهن السياسة الأمريكية تجاه الجزيرة؛
رابعا: البطر الإمبراطوري خاصة بعد الإعلان عن أسر
صدام حسين سابقا، والغيظ والإحباط لدى
الإمبراطورية راهنا، بسبب صمود وتصاعد المقاومة
الوطنية العراقية ضد قوات الغزو والتكالب، وتورطها
في مستنقع لن تخرج منه بسهولة ولا رجولة. فالعراق
بالنسبة لها الآن كشوكة في حلقها لا تستطيع
ابتلاعها ولا تستطيع انتزاعها. يضاف إلى ذلك فشلها
في أفغانستان في تحقيق الأهداف المتوخاة من الغزو،
وفشل ربيبها الكيان الصهيوني في قصم ظهر الانتفاضة
الفلسطينية، على الرغم من اغتيال الرئيس الفلسطيني
ياسر عرفات، وتداعيات تلك الجريمة التي لا تبشّر
بخير، في محاولة لإنقاذ ماء وجه شارون وبوش
والرباعية والمتهافتين على الدولار والمناطق
الصناعية المؤهلة، والجنان التي تعد بها
الصهيونية؛ واستمرار صمود المقومة الوطنية
اللبنانية وسوريا في وجه المخططات الإمبريالية
والصهيونية والرجعية العربية.
خامسا: فشل الإمبراطورية وأذنابها في الإطاحة
بالثورة البوليفرية في فنزويلا بقيادة أوغو شافيس،
والتي تشكل الجناح الآخر للثورة في عموم القارة.
وتحظى بتضامن وتلاحم أخوي حقيقي من الجناح الآخر :
الثورة الكوبية. وما ترتب على ذلك من الإعلان
المشترك مؤخرا عن " المبادرة البوليفرية
للأمريكتين" كبديل نقيض لمشروع الهيمنة الأمريكية
على القارة الأمريكية اللاتينية المسمى "منطقة
التجارة الحرة للأمريكتين". سادسا: الأزمة العميقة
التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي على الرغم من قوته
الظاهرية ويضاف إلى ذلك حملة التطهير الواسعة داخل
إدارة بوش الثانية، بحيث أصبحت معقلا ومرتعا
متجانسا لليمين المحافظ المتصهين، المتلفع بدين
راس المال وأساطير بوش وشارون التي تتطاول على
البشر والذات الإلهية أيضا.
كوبا ضحية للإرهاب الأمريكي على امتداد 45 عاما،
الإرهاب المباشر والإرهاب الذي تمارسه مجموعات
المافيا الكوبية انطلاقا من الأراضي الأمريكية،
تحت سمع وبصر سلطاتها وأجهزة أمنها، وبدعم لوجستي
كامل من الإدارة ومؤسساتها. لم تتورع تلك المافيا
عن نسف طائرة مدنية في الجو وعلى متنها 72 راكبا(6
أكتوبر 1976) وتفجيرات في قاعات فنادق سياحية
ومطاعم شعبية واختطاف طفل واستعماله لأغراض دنيئة،
ومحاولات اغتيال رئيس الجمهورية، واغتيال
دبلوماسيين في الخارج وصيادي أسماك في عرض
البحر....الخ ورفضت السلطات الأمريكية حتى الآن،
إبرام اتفاق ثنائي لمكافحة الإرهاب في المنطقة؟
وأمام تغاضي السلطات الأمريكية عن الإرهابيين في
أراضيها، ولأن "الضرورات تبيح المحظورات"، اضطرت
كوبا إلى إرسال 5 من افضل شبابها، إلى الأراضي
الأمريكية، لمحاربة إرهاب تلك المافيا، وإجهاض
عملياتها ضد وطنهم وحماية شعبهم من الإرهاب. وبعد
اعتقالهم تعرضوا لأقسى أنواع العزل والتعذيب
النفسي وخضعوا لمحاكمة سياسية، في ظل عدم توفر أي
دليل على ارتكابهم لأي عمل تجسسي أو إي فعل يضر
بالأمن القومي الأمريكي، أو استعمال أي سلاح ناري
أو قتل أحد ما. وصدرت بحقهم عقوبات سجن بالمؤبد
وزادوا عليها سنينا، تعبيرا عن الحقد الذي تكنه
الإدارة لكوبا وشعبها. يزجون بالسجن بخمسة مناضلين
ضد الإرهاب[ ولدينا في فلسطين أمثالهم بالألوف]،
ويصول ويجول في الأراضي الأمريكية إرهابيون
معترفون بجرائمهم في المحاكم وفي الشوارع، أي أن
الإدارة تناصر إرهابها وإرهاب اتباعها، وتدين
وتحارب ما تسميه إرهاب خصومها. وإمعانا في تبنيها
العلني للإرهاب والإرهابيين أخرجت الحكومة
الأمريكية بالتواطؤ مع رئيسة جمهورية بنما السابقة
السيدة ميرييّا موسكوسو ( يعني بنت أبو الذّبّان
بالعربية) أربعة إرهابيين من اصل كوبي كانوا
مسجونين في بلادها بسبب محاولتهم اغتيال كاسترو
وآلاف المدنيين البنميين عام 2000 في مدينة بنما
العاصمة.
ولكن كما قال القائد الثوري فيديل كاسترو ردا على
التهديدات البوشية بغزو كوبا واحتلالها والإطاحة
بالثورة: (إذا ما أقدمت الإدارة على فعلتها
بمهاجمة كوبا فان هذه قد تكون آخر معركة تخوضها
هذه الإدارة الفاشية).
وفي يوم الشهيد الكوبي، يوم سقوط الميجر جنرال
انطونيو ماسيو ومساعده الكابتن فرانسيسكو غوميس
تورو(7 ديسمبر 1896) وبعد استعراض عسكري أقيم أمام
ضريحهما على مشارف العاصمة هافانا، أكد جنرال
الجيش ووزير القوات المسلحة الثورية الكوبية راؤول
كاسترو على التصريحات التي أدلى بها ردّا على
أسئلة الصحافة المحلية والأجنبية المعتمدة، أثناء
احتفال مماثل في العام المضي، والتي جاء فيها:
• إنني واثق من أن الثمن الذي سيدفعه أي معتدٍ
يحاول الاستيلاء على بلادنا، سيكون باهظا جدا، ولن
يستطيع الاستيلاء عليها أبدا... إن بلادنا تعدّ
نفسها منذ سنين طويلة لمثل هذا الأمر، وقد تحولت
إلى مصيدة قاتلة لأي غازٍ، وفي كافة الأزمنة،
كائنا من كان هذا الغازي، ومن يضع جزمته في عمل
حربي في كوبا، سيفقد جزمته ورجله بداخلها.
• قاعدة غوانتنمو البحرية التي تحتلها
الولايات المتحدة الأمريكية بشكل غير قانوني وضد
إرادة شعب وحكومة كوبا، تشهد وضعا هادئا
جدا[ثنائيا] ويتم عقد اجتماعات دورية على الحدود
ويوجد احترام متبادل، بين الجنود الذين ينفذون
الأوامر على جانبي الخط الفاصل.
• ما رأيكم في المغالطة التي وقع فيها الرئيس
بوش، عندما أعلن يوم الأول من مايو الماضي، متلفعا
بزي طيار على متن حاملة طائرات، أن الحرب قد انتهت
وانه تم تنفيذ المهمة، في حين أن القوات الغازية
فقدت منذ ذلك الحين عددا من القتلى، اكبر من الذين
فقدتهم خلال كل المعركة التي يؤكد انه كسبها؟
• بعد التبجح بان أمريكا لوحدها ودون الأمم
المتحدة كانت ستحل مشكلة العراق المزعومة، أدخلت
حتى الآن قوات من 36 بلد، لتقدم يوميا مزيدا من
القتلى والجرحى في مواجهاتها مع المقاومة
العراقية. إن هذه الخسائر تهز أركان
الحكومات..."يموت 17 أو 19 عنصرا من الشرطة
العسكرية الإيطالية وتضطرب الحكومة؛ يقتل 7 ضباط
استخبارات إسبانية وتضطرب الحكومة الإسبانية". كم
بلدا ستتدخل في هذه الحرب؟ هل انتهت الحرب، هل
كسبوها أم انهم يخسرونها؟ عندما يعلن رئيس أن
المهمة قد نفذت، ويقع الآن هذا العدد الكبير من
القتلى، فان ذلك يعني أن شيئا ما يسير على نحو
سيئ.
• انه لمن الغريب أن تصف قنوات التلفزة
الدولية المقاومة العراقية بالإرهاب، في حين أن
قوات الاحتلال في أفغانستان قبل 48 ساعة وأثناء
مطاردتها لإنسان تنعته بالإرهابي، قتلت 9 أطفال!
• ماذا سيحصل في العراق؟ أهذا هو السلام
الروماني الذي يريدون فرضه على العالم؟ إن مفهوم
الحرب الاستباقية الذي يردده ممثلو الحكومة
الأمريكية بازدياد، يكتنف خطورة حقيقية... قبل
أيام أدلى أحد كبار المسؤولين في الإدارة الحالية
بتصريحات، مؤكدا انهم سيفتشون في عرض البحار
والمحيطات، أية سفينة يفترضون أنها تحمل مكونات
لصناعة أسلحة دمار شامل، ووجه تحذيرات لكوريا
الشمالية وإيران وسوريا وليبيا وكوبا. تحذير من
ماذا؟ غالبا ما يخترعون ذريعة من هذا القبيل
للإبقاء على سخونة الجو. هل يرمي ذلك إلى غايات
انتخابية على مقربة من الانتخابات الرئاسية
القادمة أم إلى التهديد؟ إننا هنا لا نرتجف. إن
هذا الشعب، عندما كان تعداده 1.5 مليون نسمة بمن
فيهم الشيوخ والأطفال والنساء، واجه أعتى جيش
للإمبراطورية الإسبانية في القارة الأمريكية
اللاتينية الذي كان قوامه 300 ألف جندي.
• بعد إنزال غرانما[ 2 ديسمبر 1956] (وبعد
الضربة التي تعرض لها الثوار وتشتتوا في الجبال
والأدغال) وعندما التقيت بفيديل من جديد، سألني كم
بندقية عندي، فقلت له 5، فقال واثنتان عندي 7؛
الآن كسبنا الحرب! وعلى الرغم من أنني ساعتها ظننت
أن فيديل مجنون إلا أننا كسبنا الحرب فعلا!
• لا أحد يستطيع أن يحافظ على ثورة إلا إذا
حظي بالتوافق وبدعم الأكثرية لها.
• بخصوص الإمكانية الحقيقية لوقوع غزو على
كوبا، أكد الوزير انه في هذا البلد لن يتوفر
للغزاة متر واحد يأمنون فيه، متر واحد دون التهديد
بطيران أشلاءهم بلغم، أو دون الوقوع في كمين
يبيدهم، أو دون مقاومة دائمة، وهذا نظام دفاعي لا
زلنا نطوره ونحسّنه.
• إننا مستعدون لتقديم أية تضحيات من اجل
تعزيز دفاعاتنا، طالما وجد الموقف العدواني الذي
يتخذه جيراننا الشماليين. وكما قال فيديل"طالما
وجدت الإمبريالية فان الشعب والحكومة والحزب، لن
يغفلوا الدفاع. إن التاريخ يثبت ببلاغة فائقة أن
الذين ينتهكون هذا المبدأ لا ينجون من الموت بعد
هذا الخطأ".
• وكما قال مارتي( البطل القومي الكوبي
1842-1895) " الحرية غالية الثمن، فإما أن ترضى
بالعيش دونها، وإما أن تدفع الثمن الضروري" ونحن
مستعدون لدفع الثمن.
|
| |
|
 |
|
 |